عبد الكريم الخطيب
106
التفسير القرآنى للقرآن
شقوتهم ، وتقهرهم نزواتهم الشريرة الكامنة فيهم ، فينقضون هذا الميثاق : « ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ ، تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ » . ومن عجب هؤلاء القوم أنهم إذ يخرجون فريقا منهم من ديارهم ظلما وعدوانا ، فإنهم إذا وقع إخوانهم هؤلاء ليد أعدائهم وعرض عليهم فداؤهم من الأسر ، قبلوا ذلك ، وبذلوا لهم من أموالهم . . فكيف يلتقى هذا العمل الطيب ، مع العمل الرديء الذي سبقه ؟ كيف يضربون إخوانهم بأيديهم ويخرجونهم من ديارهم وأموالهم ، ثم يعودون فيحررونهم من الرق ، إذا أسروا ؟ والأمر وإن بدأ متناقضا ، إلا أنه مستقيم مع طبيعة هؤلاء القوم ، التي تتحكم فيها الأنانية وحب الذات . . فالأخوّة عندهم ليست أخوة على إطلاقها ، في السرّاء والضراء ، وإنما هي أخوّة ما جلبت نفعا ذاتيا ، وحققت مصلحة خاصة ، أما إذا لم يكن ذلك من معطياتها فهي أخوّة ذئاب ، إذا جرح ذئب فيها لم يحملوه ، بل أكلوه ! هذا شأنهم مع وصايا الرسل والأنبياء ، ومع كل ما يحمل إليهم من أمر أو نهى . . يتخيرون ما يرضيهم ، ويعرضون عما لا يقع منهم موقع الرضا والقبول ، على المستوي المادي ، وفي حدود الدائرة الذاتية ، التي يعيش كل منهم فيها بنفسه ولنفسه ! ولهذا أنكر اللّه عليهم هذا الموقف اللئيم ، وتوعدهم عليه بقوله : « أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ ، وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ؟ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . » والخزي الذي ينالهم في هذه الدنيا . هو من تبدل مواقفهم في الأمر الواحد ،